محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
129
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فإذا علم العبد أنه وما يملكه لله سبحانه حقيقة لأنه أوجده من عدم ويعدمه أيضا ويحفظه في حال وجوده ولا يتصرف فيه العبد إلا بما يتاح له وأن مرجعه إلى الله ولا بد فردا كما قال تعالى : وَيَأْتِينا فَرْداً [ سورة مريم : الآية 80 ] . وقوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [ سورة الأنعام : الآية 94 ] . وإن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، كما قاله عليه السلام وكما قال تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [ سورة الحديد : الآية 22 - 23 ] . وإن الله لو شاء جعل مصيبته أعظم مما هي ، وإنه إن صبر أخلف الله عليه أعظم من فوات مصيبته وإن المصيبة لا تختص به - فيتأسى بأهل المصائب ، ومصيبة بعضها أعظم ، وإن سرور الدنيا مع قلته وانقطاعه منغص . وقد روي عن ابن مسعود ( رضي الله عنه ) قال : لكل فرحة ترحة ، وما ملىء بيت فرحا إلا ملىء ترحا . وقال ابن سيرين رحمه الله : ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء ، وقد شاهد الناس من تغير الدنيا بأهلها في أسرع ما يكون العجائب . وقالت هند بنت النعمان بن المنذر : لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن من أقل الناس وإنه حق على الله أن لا يملأ دارا حيرة إلا ملأها عبرة ، وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما وهي في عزها فقيل : ما يبكيك لعل أحدا آذاك ؟ قالت : لا ، ولكن رأيت غضارة في أهلي وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا . والغضارة طيب العيش يقول : بنو فلان مغضورون وقد غضرهم الله وإنهم لفي غضارة من العيش وفي غضراء من العيش أي في خصب وخير . قال الأصمعي : لا يقال أباد الله غضراءهم ولكن أباد الله غضراهم ، أي هلك خيرهم وغضارتهم . وقالت حرقة أيضا : ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس ، إنا نجد في الكتب إنه ليس من أهل بيت يعيشون في حيرة ، إلا سيعقبون بعدها غبرة ، وإن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ، ثم قالت : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة تنصف
--> - الحديث أخرجه الترمذي ( 2518 ) وقال : حسن صحيح . وطريقه أصح طرق روايات هذا الحديث كذا قاله ابن منده وغيره . الآداب الشرعية / ج 2 / م 9